ابن أبي حجلة التلمساني
67
سلوة الحزين في موت البنين
يصير أمرك ثمّ قالت : اللهم ارحم طول ذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبرّه بأمّه ، اللهم إني قد سلّمت فيه لأمرك ورضيت منك بقضائك فأثبني في عبد اللّه ثواب الشاكرين . فودّعها فوجدت الدّرع تحت ثوبه فقالت : ما هذا فعل من يريد ما أريد فقال : إنما لأشدّ منك فقالت : إنّه لا يشدّ مني فقال لها فيما خاطبها به واللّه إني لا أخاف القتل وإنّما أخاف المثلة فقالت : يا بني إنّ الشاة لا تبالي السلخ بعد الموت . « فكانت تقف على خشبته وهو مصلوب تقول : لقد قتلوك قوّاما صوّاما « 94 » ظمآن الهواجر ، ومن قتل على باطل ، فقد قتلت « على » « 95 » حقّ وما نزلت من عينها قطرة . ووقفت عليه بعد مدّة من صلبه « فقالت » « 96 » : أما آن لهذا الراكب أن ينزل . وكان رضي اللّه عنه قد اغتدى بالصّبر وعسل النّحل قبل أن يصلب خوفا أن يجيف عند صلبه فكان الأمر كذلك فلمّا صلبه الحجاج « 97 » آلى على نفسه أن لا ينزله عن خشبته حتى تشفع فيه أمّه ، فلبث حولا حتى عشّش الطير في جمجمة رأسه والناس يلومون أمّه في عدم شفاعتها له ، فلما صار له حول أتت إليه في مجلسه فقالت : فرّح اللّه الأمير أما آن لهذا الخطيب أن ينزل « من على » « 98 » منبره فأمر بنزوله . وقال لمن حوله : أنظروا إلى فعلها صبرت حولا وجعلت ولدها خطيبا حيّا وميّتا وكلمتنا بكلام لم نر أمرّ منه فقيل : أيها الأمير لم نسمع منها ما يسوء فقال « أما » « 99 » سمعتم قولها : فرّح اللّه الأمير فإنها أشارت إلى قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ « * » . وروي أنّ الحجّاج قال لها : كيف رأيت ما فعلت بابنك ؟ فقالت : أفسدت عليه دنياه فأفسد عليك لآخرتك ، وكان الحجاج هذا من الظلم على جانب عظيم كما هو مشهور عنه . قال الهيثم بن « 100 » عديّ : مات الحجّاج
--> ( 94 ) إلى هنا سقط من ز وب . ( 95 ) سقطت من د . ( 96 ) في د ( فقالت ) . ( 97 ) أبو محمد الثقفي ( 41 - 95 ه ) . ( 98 ) في د ( عن ) . ( 99 ) سقطت من د . ( * ) الأنعام آية 44 . ( 100 ) أبو عبد الرحمن الطائي الكوفي كان رواية اخباريا ( 130 - 207 ) .